الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
102
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والأمراض ، ولشفاء الفرد والمجتمع من أشكال الأمراض الأخلاقية والاجتماعية . إن أفضل دليل لإثبات هذه الحقيقة هي مقايسة وضع العرب في الجاهلية مع وضع الذين تربوا في مدرسة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مطلع الإسلام . إن المقايسة بين الوضعين ترينا كيف أن أولئك القوم المتعطشون للدماء ، والمصابون بأنواع الأمراض الاجتماعية والأخلاقية ، قد تم شفاؤهم مما هم فيه بالهداية القرآنية ، وأصبحوا برحمة كتاب الله من القوة والعظمة بحيث أن القوى السياسية المستكبرة أنذاك خضعت لهم أعنتها ، وذلت لهم رقابها . وهذه هي نفس الحقيقة التي تناساها مسلمو اليوم ، وأصبحوا على ما هم عليه من واقع بائس مرير غارق بالأمراض والمشاكل . . . إن الفرقة قد اشتدت بينهم ، والناهبين سيطروا على مقدراتهم وثرواتهم ، مستقبلهم أصبح رهينة بيد الآخرين بعد أن أصيبوا بالضعف والهوان بسبب الارتباط بالقوى الدولية والتبعية الذليلة لها . وهذه هي عاقبة من يستجدي دواء علته من الآخرين الذين هم أسوأ حالا منه ، في حين أن الآخرين ، ليأخذ منهم علاج الدواء حاضر بين يديه وموجود في منزله ! القرآن لا يشفي من الأمراض وحسب ، بل إنه يساعد المرضى على تجاوز دور النقاهة إلى مرحلة القوة والنشاط والانطلاق ، حيث تكون ( الرحمة ) مرحلة لاحقة لمرحلة ( الشفاء ) . الظريف في الأمر أن الأدوية التي تستخدم لشفاء الإنسان لها نتائج وتأثيرات عرضية حتمية لا يمكن توقيها أو الفرار منها ، حتى أن الحديث المأثور يقول : " ما من دواء إلا ويهيج داء " ( 1 ) .
--> 1 - سفينة البحار .